الشيخ محمد رشيد رضا

164

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كما يرى ويسمع مثل ذلك في المنام الذي هو مظهر من مظاهر الوحي عند جميع الأنبياء ، فكل ما يخبر به النبي من كلام ألقي في روعه أو ملك ألقاه على سمعه فهو خبر صادق عنده يقول هؤلاء الماديون : نحن لا نشك في صدق محمد في خبره عما رأى وسمع ، وانما نقول إن منبع ذلك من نفسه ، وليس فيه شيء جاء من عالم الغيب الذي وراء عالم المادة والطبيعة الذي يعرفه جميع الناس ، فان هذا شيء لم يثبت عندنا وجوده كما أنه لم يثبت عندنا ما ينفيه ويلحقه بالمحال ، وإنما نفسر الظواهر غير المعتادة بما عرفنا وثبت عندنا دون ما لم يثبت ويضربون مثلا لهذا الوحي قصة جان دارك الفتاة الافرنسية التي قررت الكنيسة الكاتوليكية قذاستها بعد موتها بزمن ، وهذا التصوير الذي يصورون به ظاهرة الوحي قد سرت شبهته إلى كثير من المسلمين المرتا بين الذين يقلدون هؤلاء الماديين في نظرياتهم المادية أو يقتنعون بها . وانني أفتتح الكلام في ابطال هذه الصورة الخيالية بالكلام على جان دارك فقد ألقي إلي سؤال عنها نشرته مع الجواب عنه في صفحة 788 من المجلد السادس من المنار ( سنة 1321 ) وهذا نصه ( شبهة على الوحي ) حضرة الأستاذ الرشيد عرضت لي شبهات في وقوع الوحي ( وهو أساس الدين ) فعمدت إلى رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده - حيث وقع اختياري عليها - وقرأت في بابي ( حاجة البشر إلى الوحي ) و ( إمكان الوحي ) فوجدت الكلام وجيها معقولا ، غير أن الحاجة إلى الشيء لا تستلزم وقوعه ، وكذا إمكانه وعدم استحالته عقلا لا يقتضي حصوله . ثم ما ذكر بعد من أن حالة النبي وسلوكه بين قومه وقيامه بجلائل الاعمال وبوقوع الخير للناس على يديه هو دليل نبوته وتأييد بعثته ، فليس شيئا ، فإنه قد يكون ( كون ) النبي حميد السيرة في عشيرته صادقا في دعوته - اعني معتقدا في نفسه - سببا في نهوض أمته ، ولا يكون كل ذلك مدعاة إلى الاعتقاد به والتسليم له ولقد حدث بفرنسا في القرن الخامس عشر الميلادي إذ كانت مقهورة للانكليز